الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
271
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
يُنْظَرُونَ [ الأنعام : 8 ] . والقضاء : الفراغ والإتمام . والتعريف في ( الأمر ) إما للجنس مرادا منه الاستغراق أي قضيت الأمور كلها ، وإما للعهد أي أمر هؤلاء أي عقابهم أو الأمر المعهود للناس كلهم وهو الجزاء . وقوله : وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ تذييل جامع لمعنى : وَقُضِيَ الْأَمْرُ والرجوع في الأصل : المآب إلى الموضع الذي خرج منه الراجع ، ويستعمل مجازا في نهاية الشيء وغايته وظهور أثره ، فمنه أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [ الشورى : 53 ] . ويجيء فعل رجع متعديا ، تقول رجعت زيدا إلى بلده ومصدره الرّجع ، ويستعمل رجع قاصرا تقول : رجع زيد إلى بلده ومصدره الرجوع . وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم وأبو جعفر ويعقوب ( ترجع ) بضم التاء وفتح الجيم على أنه مضارع أرجعه أو مضارع رجعه مبنيا للمفعول أي يرجع الأمور راجعها إلى اللّه ، وحذف الفاعل على هذا العدم تعين فاعل عرفي لهذا الرجع ، أو حذف لدفع ما يبدو من التنافي بين كون اسم الجلالة فاعلا للرجوع ومفعولا له بحرف إلى ، وقرأه باقي العشرة بالبناء للفاعل من رجع الذي مصدره الرجوع فالأمور فاعل ترجع . [ 211 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 211 ] سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 211 ) تتنزل هاته الآية من التي قبلها منزلة البرهان على معنى الجملة السابقة ، فإن قوله : هَلْ يَنْظُرُونَ [ البقرة : 210 ] سواء كان خبرا أو وعيدا أو وعدا أم تهكما ، وأيّا ما كان معاد الضمير فيه على الأوجه السابقة قد دل بكل احتمال على تعريض بفرق ذوي غرور وتماد في الكفر وقلة انتفاع بالآيات البينات ، فناسب أن يعقب ذلك بإلفاتهم إلى ما بلغهم من قلة انتفاع بني إسرائيل بما أوتوه من آيات الاهتداء مع قلة غناء الآيات لديهم على كثرتها ، فإنهم عاندوا رسولهم ثم آمنوا به إيمانا ضعيفا ثم بدلوا الدين بعد ذلك تبديلا . وعلى احتمال أن يكون الضمير في يَنْظُرُونَ [ البقرة : 210 ] لأهل الكتاب : أي بني إسرائيل فالعدول عن الإضمار هنا إلى الإظهار بقوله : بَنِي إِسْرائِيلَ لزيادة النداء على فضيحة حالهم ويكون الاستدلال عليهم حينئذ أشد ، أي هم قد رأوا آيات كثيرة فكان